تمثل شخصية محمود عبد الفتاح السيسي ظاهرة فريدة في تاريخ السياسة المصرية الحديثة، حيث يتجاوز دوره مجرد كونه الابن الأكبر للسيسي ليصل إلى كونه أحد المهندسين الرئيسيين لنظام الحكم في “الجمهورية الثانية” التي تشكلت ملامحها بعد عام 2013. ولد محمود في بيئة عسكرية محافظة، وتشرب قيم المؤسسة التي ينتمي إليها والده، مما جعله يتبنى رؤية أمنية صارمة لإدارة الدولة. إن تتبع مسيرة حياته يتطلب الغوص في أعماق التحولات التي شهدتها أجهزة الاستخبارات المصرية، وكيفية إعادة صياغة العلاقة بين السلطة والإعلام، والتحالفات القبلية في المناطق الحدودية، وصولاً إلى الدور المحوري الذي يلعبه حالياً في تثبيت أركان النظام.

الجذور والتكوين: النشأة في كنف العسكرية
ولد محمود عبد الفتاح سعيد حسين خليل السيسي في عام 1982، في وقت كان والده ضابطاً شاباً يشق طريقه في سلاح المشاة بالجيش المصري. نشأ محمود في أسرة تتسم بالترابط الشديد والخصوصية، وهي سمات مستمدة من حي الجمالية في القاهرة، حيث ترعرع والده في أجواء تمزج بين الانضباط العسكري والتصوف الشعبي. تعود أصول العائلة إلى محافظة المنوفية، التي تُعد المفرخة الرئيسية للقيادات العسكرية والسياسية في مصر، مما منح محمود شعوراً بالانتماء إلى نخبة الحكم منذ صغره.
تلقى محمود تعليمه في مدارس القاهرة، وكان شاهداً على صعود والده التدريجي في الرتب العسكرية. وباعتباره الابن الأكبر، كان عليه تحمل مسؤولية الحفاظ على إرث العائلة العسكري، فالتحق بالكلية الحربية المصرية، وتخرج منها ليبدأ مسيرته المهنية ضابطاً في القوات المسلحة. هذا المسار التعليمي لم يكن مجرد اختيار مهني، بل كان بمثابة إعداد منهجي ليكون جزءاً من “أهل الثقة” الذين سيعتمد عليهم والده لاحقاً في إدارة الملفات الأكثر حساسية.
هيكل عائلة السيسي وتوزيع الأدوار المؤسسية
تعكس تركيبة عائلة السيسي استراتيجية واضحة لتوزيع الأدوار داخل مؤسسات الدولة السيادية لضمان رقابة شاملة ومنع ظهور أي مراكز قوى منافسة.
تزوج محمود من نهى التهامي، ابنة اللواء فريد التهامي، الذي كان رئيساً للمخابرات العامة وهيئة الرقابة الإدارية، وهو ما مثّل زواجاً سياسياً أمنياً بامتياز، ربط بين عائلة السيسي الصاعدة ورموز المؤسسة الاستخباراتية العريقة.
الصعود الاستخباراتي: من المخابرات الحربية إلى قيادة المخابرات العامة
بدأ محمود مسيرته المهنية في جهاز المخابرات الحربية والاستطلاع، وهو الجهاز الذي قاده والده في عام 2010 وكان بوابة صعوده للسلطة. خلال خدمته في المخابرات الحربية، تشبع محمود بالمنهجية العسكرية في جمع المعلومات وتحليل المخاطر، وبرز كضابط كفء يفضل العمل في الظل بعيداً عن الأضواء.
نقطة التحول الكبرى في مسيرة محمود كانت بعد تولي والده الرئاسة في عام 2014، حيث تم نقله إلى جهاز المخابرات العامة (GIS). كان الهدف من هذا النقل هو إعادة هيكلة الجهاز الذي كان يُنظر إليه بريبة من قبل الدوائر المقربة من السيسي، باعتباره يضم عناصر موالية لعهد مبارك أو “رجال عمر سليمان”. عمل محمود تحت قيادة اللواء عباس كامل، الذي كان مديراً لمكتب السيسي لسنوات ويوصف بأنه “ظل الرئيس”.
إعادة هيكلة “بيت المخابرات” وتصفية الحرس القديم
تولى محمود رئاسة المكتب الفني للمخابرات العامة، وهو منصب سمح له بالإشراف المباشر على العمليات والملفات الحساسة. ومن هذا الموقع، قاد عملية تطهير واسعة داخل الجهاز، شملت استبعاد عشرات الضباط الكبار الذين كان يُشك في ولائهم للنظام الجديد. في يونيو 2018، تمت ترقية محمود إلى رتبة عميد وتعيينه نائباً لرئيس المخابرات العامة، ليصبح الرجل الثاني فعلياً في الجهاز، بل وصفت تقارير عديدة دوره بأنه “الرئيس الفعلي” للمخابرات خلف الستار.
أدت هذه التحولات إلى تغيير طبيعة عمل المخابرات العامة من جهاز يركز على الأمن القومي الخارجي ومكافحة التجسس، إلى أداة رئيسية لإدارة الشأن الداخلي وتثبيت أقدام النظام. تم سحب ملفات عديدة من قطاع الأمن الوطني (أمن الدولة سابقاً) التابع لوزارة الداخلية ومنحها للمخابرات العامة، مما جعل الجهاز يهيمن على كل مفاصل الحياة السياسية والإعلامية في مصر.
نموذج “سامسونج”: الهيمنة على الإعلام وصناعة الرواية الرسمية
أدرك محمود السيسي مبكراً أن السيطرة على العقول لا تقل أهمية عن السيطرة على الأرض. ومن هنا، شرع في بناء إمبراطورية إعلامية تابعة مباشرة لجهاز المخابرات العامة، تهدف إلى إنهاء عصر الإعلام الخاص غير المنضبط الذي ساهم في سقوط نظامي مبارك ومرسي.
الأداة الرئيسية لهذه الاستراتيجية كانت “الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية” (UMS)، وهي كيان ضخم تأسس في عام 2016 تحت مظلة الاستخبارات.
استحوذت هذه الشركة على غالبية القنوات التلفزيونية، والصحف، ومواقع الأخبار، وشركات الإعلانات، وحتى شركات الإنتاج الدرامي.
كيف تُدار الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية وتأثيرها؟
يُعرف أسلوب إدارة هذه الإمبراطورية في الأوساط الصحفية المصرية بنموذج “جهاز السامسونج”، حيث يتلقى رؤساء التحرير ومقدمو البرامج تعليمات يومية عبر مجموعات “واتساب” من ضباط في المخابرات العامة، تحدد لهم ما يجب قوله وما يجب تجاهله. يشرف محمود السيسي مباشرة على هذا الملف، لضمان ألا تخرج أي وسيلة إعلامية عن النص المرسوم، مما حول الإعلام المصري إلى بوق واحد يخدم أهداف السلطة.
محور سيناء: التحالف مع العرجاني وخصخصة القمع
واجه النظام المصري تحدياً أمنياً كبيراً في شبه جزيرة سيناء مع تصاعد العمليات الإرهابية بعد عام 2013. هنا، برز دور محمود السيسي في تبني استراتيجية “الاعتماد على الميليشيات القبلية” لمساندة الجيش. وكان حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية هو رجل الأعمال السيناوي إبراهيم العرجاني، زعيم قبيلة الترابين.
ارتبط محمود بعلاقة وثيقة مع العرجاني، حيث تم تحويله من مهرب سابق ومسجون في عهد مبارك إلى “شريك استراتيجي” للدولة. ومن خلال هذه العلاقة، تم تأسيس “اتحاد قبائل سيناء” الذي تطور لاحقاً في عام 2024 ليصبح “اتحاد القبائل العربية”، مع تنصيب العرجاني رئيساً له والسيسي رئيساً شرفياً.
اقتصاديات المعبر والتحالفات المشبوهة
لم يقتصر التحالف بين محمود والعرجاني على الجانب الأمني، بل امتد إلى الجانب الاقتصادي عبر التحكم في معبر رفح البري. أنشأ العرجاني مجموعة شركات، أبرزها “هلا للاستشارات والسياحة” و”أبناء سيناء”، التي حصلت على امتيازات حصرية لنقل الأفراد والبضائع من وإلى قطاع غزة.
أشارت تقارير متعددة إلى أن هذه الشركات تفرض مبالغ طائلة على الفلسطينيين الراغبين في الخروج من غزة، وصلت إلى 5000 دولار للفرد و30 ألف دولار لشاحنات المساعدات(فيما أفادت تقارير أخرى عن تقاضي مبالغ تصل لي 20 و 13 ألف دولار للشاحنة)، وهي أموال تتدفق بعيداً عن ميزانية الدولة وتدخل في جيوب شبكات النفوذ المرتبطة بالمخابرات. يرى الجميع أن محمود السيسي هو “المهندس الفعلي” لهذا الكيان الذي يشبه قوات الدعم السريع في السودان، مما يثير مخاوف من خلق “دولة داخل الدولة” في سيناء.
الملفات الدولية وواقعة النفي إلى موسكو
يلعب محمود السيسي دوراً محورياً في ملفات السياسة الخارجية ذات الطابع الأمني، وخاصة “ملف غزة” والتنسيق مع إسرائيل والإمارات. في يناير 2022، زار محمود تل أبيب سراً للتباحث حول التعاون الأمني في سيناء وشراء تقنيات مراقبة متطورة.
ومع ذلك، لم تكن مسيرته خالية من الهزات. في نوفمبر 2019، نشر موقع “مدى مصر” تقريراً استقصائياً مدوياً أفاد بأن محمود قد تم إبعاده عن منصبه في المخابرات وتكليفه بمهمة دبلوماسية في الملحقية العسكرية بموسكو. ووفقاً للتقرير، جاء هذا القرار لعدة أسباب:
تضرر صورة السيسي: أدت رؤية محمود العلنية في مراكز اتخاذ القرار إلى تزايد اتهامات المحسوبية وتوريث السلطة.
الفشل في إدارة الأزمات: تم تحميل محمود مسؤولية الفشل في التنبؤ باحتجاجات سبتمبر 2019 التي فجرها المقاول محمد علي.
ضغوط إماراتية: نصحت قيادات في دويلة الإمارات السيسي بضرورة إبعاد ابنه عن المشهد لتجنب تكرار سيناريو “جمال مبارك” الذي ساهم في اندلاع ثورة 2011.
جاء الرد الأمني على هذا التقرير عنيفاً للغاية، حيث تم اقتحام مكتب “مدى مصر” واعتقال عدد من صحفييه، وهو ما اعتبره مراقبون تأكيداً على دقة المعلومات وحساسيتها. ورغم الحديث عن انتقاله لموسكو، إلا أن الوقائع اللاحقة أثبتت استمرار نفوذه القوي داخل القاهرة.
إدارة الأزمات: قضية ريجيني وتسريبات محمد علي
ارتبط اسم محمود السيسي ببعض أكثر القضايا إثارة للجدل دولياً ومحلياً. في قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني في عام 2016، وجهت صحيفة “ليسبريسو” الإيطالية أصابع الاتهام إلى محمود، مشيرة إلى أنه من غير المتصور ألا يكون على علم بتحركات ريجيني قبل اختفائه نظراً لموقعه الرفيع في الاستخبارات. ورغم النفي الرسمي المصري، إلا أن هذه القضية ظلت جرحاً نازفاً في علاقة النظام بأوروبا.
أما على الصعيد الداخلي، فقد مثل ظهور المقاول محمد علي في عام 2019 أكبر تحدٍ واجهته عائلة السيسي. اتهم علي السيسي وعائلته بتبديد أموال الدولة لبناء قصور فخمة، وخص بالذكر محمود لدوره في الإشراف على هذه المشروعات بعيداً عن الرقابة المالية. قاد محمود السيسي حملة قمع شرسة للرد على هذه التسريبات، شملت اعتقال آلاف المواطنين وإطلاق حملة إعلامية ضخمة عبر “المتحدة” لتشويه صورة محمد علي.
هيكل القوة في 2024: ما بعد عباس كامل
في أكتوبر 2024، شهدت المخابرات العامة المصرية أكبر عملية إعادة ترتيب للأوراق منذ سنوات، حيث تم استبعاد اللواء عباس كامل من منصبه وتعيينه مديراً لمكتب الرئيس ومنسقاً عاماً للأجهزة الأمنية. وتم تعيين اللواء حسن محمود رشاد مديراً جديداً للجهاز.
يرى المحللون أن هذا التغيير لا يضعف موقع محمود السيسي، بل يعززه. فتعيين كامل في منصب “منسق الأجهزة” يعني خلق “قيادة عليا” تشرف على المخابرات والجيش والشرطة معاً، مما يمنح محمود والدوائر المقربة منه قدرة أكبر على المناورة وتثبيت الأقدام. محمود لا يزال يشغل منصب نائب مدير المخابرات العامة، وهو الآن يمثل حلقة الوصل الدائمة والموثوقة بين الجهاز والقصر الرئاسي.
اقتصاديات “الجمهورية الثانية” ودور الاستخبارات
تحت حكم السيسي، تحولت الدولة المصرية إلى نموذج لـ “رأسمالية العسكر والاستخبارات”، حيث تغلغلت الشركات التابعة للقوات المسلحة والمخابرات في كافة قطاعات الاقتصاد. يشرف محمود على شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية التي تضمن تمويل الأجهزة الأمنية بعيداً عن الميزانية العامة المنهكة بالديون.
في هذا المشهد، تبرز المخابرات العامة كلاعب اقتصادي لا يستهان به، ليس فقط عبر الإعلام والسياحة في سيناء، بل ومن خلال امتلاك مراكز مؤتمرات دولية وفنادق، مما يجعل الجهاز كياناً مكتفياً ذاتياً ومستقلاً عن أي رقابة برلمانية أو مدنية.
محمود السيسي ومستقبل السلطة في مصر
إن قصة حياة محمود السيسي هي في جوهرها قصة تحول الدولة المصرية من “دولة المؤسسات العسكرية” إلى “دولة العائلة الأمنية”. لقد نجح محمود في بناء منظومة حكم تعتمد على ثلاث ركائز أساسية:
السيطرة المعلوماتية: عبر تأميم الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
التحالفات القبلية المسلحة: عبر خلق أذرع “براميلتارية” في المناطق الحدودية تضمن الولاء الشخصي للسيسي.
الهيمنة الاستخباراتية: عبر تحويل المخابرات العامة إلى جهاز أمن داخلي مطلق الصلاحيات.
لقد نجح محمود السيسي في خلق دولة موازية تمتلك السلاح والمال والإعلام، ولكن استمراره مرهون بقدرته على مواجهة غمرة الغضب الشعبي التي بدأت تكسر جدار الرعب الرقمي. إن مصر اليوم تقف أمام مفترق طرق؛ إما استكمال مشروع “تأبيد الحكم العائلي” بقيادة محمود، أو الانفجار في وجه الوحش الذي كبر لدرجة أنه لم يعد يرى أنين الجوع في شوارع القاهرة والنجوع.