هناك تجار للدم، وهناك تجار للحرب، وهناك تجار للأزمات، وفي قلب المشهد يبرز اسم إبراهيم العرجاني، الرجل الذي تحوّل خلال سنوات قليلة من شخصية قبلية في شمال سيناء إلى واحد من أكثر رجال الأعمال نفوذًا في مصر، خاصة في الملفات المرتبطة بسيناء ومعبر رفح وقطاع غزة.

ينتمي إبراهيم العرجاني إلى قبيلة الترابين، إحدى أكبر وأقوى قبائل شمال سيناء. وبدأ اسمه في الظهور بشكل واسع عام 2008، حين حاول التدخل للتهدئة بين قبيلة الترابين ووزارة الداخلية، قبل أن يُقتل شقيقه في ظروف غامضة، لتبدأ مرحلة صدام مفتوح بينه وبين أجهزة الدولة في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك.
وبعد تصاعد الأزمة، تحدى العرجاني وزارة الداخلية واحتجز عددًا من أفراد الشرطة، الأمر الذي فتح عليه أبواب المواجهة مع النظام وقتها، فتم اعتقاله وحبسه لسنوات، قبل أن يتعرض لأزمة صحية داخل محبسه، ثم يخرج بعد ثورة يناير 2011.
خرج العرجاني من السجن ليبدأ مسارًا جديدًا، إذ تحوّل من خصم أمني إلى متعاون مع المجلس العسكري وقيادات الجيش، وبدأ في لمّ شمل عدد من قبائل سيناء وتشكيل مجموعات محلية مساندة للقوات المسلحة في مواجهة الجماعات المسلحة، خاصة بعد وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة.
ومن هنا، ظهر ما عُرف باسم «اتحاد قبائل سيناء»، وهو كيان قبلي مسلح قُدّم في ظاهره باعتباره مظلة لأبناء القبائل، بينما اعتبره كثيرون ذراعًا محليًا مدعومًا من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، يمتلك نفوذًا واسعًا في شمال سيناء.
لكن صعود العرجاني لم يتوقف عند الدور القبلي أو الأمني، بل امتد سريعًا إلى عالم المال والأعمال، خاصة مع الحديث عن علاقة قوية تربطه بمحمود السيسي، ضابط المخابرات العامة ونجل رئيس الجمهورية، وهي العلاقة التي يُقال إنها فتحت أمامه أبواب التعاون المباشر مع مؤسسات الدولة والجيش.
خلال سنوات قليلة، ظهرت «مجموعة العرجاني» كواحدة من أبرز الكيانات الاقتصادية الصاعدة في مصر، ودخلت في شراكات ومشروعات مع جهات تابعة للدولة، من بينها جهاز مشروعات الخدمة الوطنية والهيئة الهندسية للقوات المسلحة، كما ارتبط اسم المجموعة بعدد من المشروعات الكبرى، فضلًا عن ظهورها في المجال الرياضي من خلال رعاية النادي الأهلي في فترة سابقة.
إلا أن الملف الأبرز في صعود العرجاني ظل مرتبطًا بسيناء ومعبر رفح.
فبعد وصول السيسي إلى الحكم، شهدت مناطق واسعة في رفح والشيخ زويد عمليات إزالة وتهجير بدعوى مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، وتم إنشاء منطقة عازلة بين مصر وقطاع غزة، إلى جانب إغلاق وتدمير الأنفاق التي كانت تربط بين رفح المصرية والفلسطينية، سواء كانت أنفاقًا تجارية أو مخصصة لعبور الأفراد.
ومع إحكام السيطرة على الحدود، أصبح معبر رفح بوابة شديدة الحساسية لا يمر منها أحد إلا عبر إجراءات معقدة وتنسيقات خاصة، قبل أن يظهر اسم شركة «هلا» كأحد الأسماء المرتبطة بملف خروج الفلسطينيين من غزة.
وتُعد شركة هلا للسياحة إحدى الشركات التابعة لمجموعة العرجاني، وارتبط اسمها خلال السنوات الماضية بعمليات التنسيق لعبور الأفراد من قطاع غزة إلى مصر. ورغم أن اسم «هلا» حاضر بقوة في هذا الملف، فإن وضعها القانوني وطبيعة عملها أثارا الكثير من التساؤلات، خاصة مع الحديث عن عدم وضوح تسجيلها ضمن شركات السياحة بالشكل التقليدي المعروف.
ولم تكن «هلا» وحدها في المشهد، إذ ظهرت كذلك شركة «أبناء سيناء» التابعة لمجموعة العرجاني، بفرعيها في التشييد والمقاولات والخدمات اللوجستية، كأحد الأذرع الرئيسية في إدارة مشروعات داخل سيناء، ومن بينها أعمال مرتبطة بتطوير معبر رفح والخدمات اللوجستية داخله.
وهنا تكمن خطورة المشهد: فالشركات المرتبطة بالعرجاني لم تعد مجرد كيانات اقتصادية تعمل في البناء أو المقاولات، بل أصبحت حاضرة في واحد من أكثر الملفات حساسية في المنطقة، وهو ملف عبور الفلسطينيين والمساعدات الإنسانية من وإلى قطاع غزة.
فبينما يعيش الفلسطينيون تحت القصف والحصار والتجويع، تحوّل معبر رفح إلى بوابة تتحكم فيها شبكات مصالح معقدة، حيث يدفع البعض مبالغ ضخمة من أجل الخروج من غزة عبر التنسيق، بينما تمر المساعدات الإنسانية عبر منظومة تسيطر عليها شركات بعينها، في مقدمتها شركات مرتبطة بالعرجاني.
وبهذه الطريقة، تحوّل إبراهيم العرجاني من رجل قبائل في سيناء إلى لاعب اقتصادي وأمني شديد النفوذ، يمتلك المال والسلاح والعلاقات، ويتحرك في منطقة لا تخضع لرقابة واضحة أو مساءلة حقيقية.
وعلى طريقة رجال الأعمال الذين صنعهم النفوذ السياسي في عهود سابقة، يبدو أن السلطة الحالية صنعت نموذجًا جديدًا يحمل اسم إبراهيم العرجاني؛ رجل بدأ من قلب سيناء، ثم أصبح واحدًا من مفاتيح معبر رفح، وشريكًا في مشروعات كبرى، وصاحب دور متزايد في الملفات المرتبطة بغزة.
لكن القصة لا تبدو أنها توقفت عند حدود المعبر أو التنسيق أو المساعدات، فالدور الأكبر قد يكون قادمًا بعد انتهاء الحرب، حين تبدأ مرحلة إعادة إعمار غزة، وهي المرحلة التي قد تتحول إلى سبوبة جديدة تحت شعار المشاركة في الإعمار، لتتوسع إمبراطورية العرجاني أكثر، هذه المرة على أنقاض الدمار ومعاناة الفلسطينيين.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: كيف أصبح رجل واحد، مدعومًا بعلاقات أمنية وسياسية، قادرًا على التحكم في معبر حساس، وشركات لوجستية، ومشروعات قومية، ومسارات عبور إنسانية، دون رقابة حقيقية أو شفافية واضحة؟